وهبة الزحيلي

113

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

زمنا يسيرا ، على كل تقدير ، ولو كنتم تعملون شيئا من العلم لآثرتم الباقي على الفاني ، ولعملتم بما يرضي ربكم ، ولو صبرتم على طاعة اللّه وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا . روى ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي الذي خطب الناس فقال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، قال : يا أهل الجنة ، كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم ، قال : لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ، رحمتي ورضواني وجنتي ، امكثوا فيها خالدين مخلدين ! ! ثم قال : يا أهل النار ، كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم ، فيقول : بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ، ناري وسخطي ، امكثوا فيها خالدين مخلدين » . ثم شدد اللّه تعالى في توبيخهم على غفلتهم فقال : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا ، أي لعبا وباطلا بلا قصد ولا حكمة لنا ، بل خلقناكم للعبادة والتهذيب والتعليم وإقامة أوامر اللّه تعالى . وهل ظننتم أنكم لا تعودون إلينا في الدار الآخرة للحساب والجزاء ، كما قال تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أي هملا [ القيامة 75 / 36 ] . فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ أي تنزه وتقدس اللّه صاحب الملك الواسع ، الثابت الذي لا يزول ، أن يخلق شيئا عبثا ، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك ، وهو ذو العرش العظيم الحسن البهي الذي يدبر فيه نظام الكون بحكمة ومقصد سام .